|
كعادتي
أثناء فترة عزوبتي ، لا أحب أماكن التجمعات و الترفيه ، و لازلت أقضي فترات فراغي
في حدود شقتي الصغيرة ، ولكن هذه العادة حكَمَت على زوجتي بالرضوخ لبرنامجي الشخصي
بعد الزواج ، فأصبَحَتْ صورة طبق الأصل عني ، في عشق البيت و الرغبة في قضاء
الإجازات في رحابه .
لعلكم تذكرون ما طالعتنا به أحدى الصحف المحلية قبل شهر ٍ تقريباً بخصوص منع (
العزاب ) من المشاركة في فعاليات ( مهرجان الزهور بالرياض ) ، كان الخبر بالنسبة لي
فكاهياً ، غير أنني لمست نوعاً من المغالاة في التفريق و التخصيص فيه ، فالمجتمع من
وجهة نظري لا ينبغي أن يتم معاملته بهذه الصورة الرجعية ، لأنه وحدة واحدة لا تنفصل
بالتفريق والتفضيل بين رجلٍ و امرأة ، أو بين أعزب و متزوج ، فبعضنا في الحقيقة من
بعض، وفي النهاية خَتمْتُ الخبرَ بشعورِ المتعاطفِ مع ( العزاب ) لأنهم في مجتمعنا
أشبه بالشاة الجرباء في قطيع الغنم ، فالكل يفر منهم و يمتعض لوجودهم .
تذكرت بعد ذلك بعض مقالاتي ( الإنترنتية ) أثناء فترة ( السجن الاجتماعي ) و أعني
فترة العزوبة ، حينما كنت أمقت ذلك التنظيم الذي يمنعنا من التنزه في ( متنزهات
الثمامة ) و أماكن الجذب ( السياحية ) بحجة أننا عزّاب أو خوفاً من تعرضنا للعائلات
( بسوء ) مع أننا نفس الأشخاص الذين كنا نأتي بصحبة أهالينا لنتفسح فيها ، ولكن من
منطلق التفكير ( السيئ ) منع المنظمون الشبابَ من الدخول ، ليشعر العزاب بأنهم فئة
منبوذة لا مكان لها ولا محل في الأماكن التي يرتدنها ( العازبات ) من أخواتنا
الفتيات .
لا أخفيكم أنني كنت حانقاً على المجتمع آنذاك ، فتخيلوا معي كيف كنت أسمع عن افتتاح
مركز ما ، و عروض الألعاب النارية و الحدث الممتع في قلب مدينتي ( الرياض ) ، فيخفق
قلبي شوقاً و تتسارع عجلات ( مركبتي ) لأحضر تلك الفعاليات فأصطدم بجدار المنع
المقيت ، و ذنبي هو أنني مغترب أعزب يعيش لوحدة في الرياض للدراسة ، حيث لم تشفع لي
براءة وجهي و قوة حجتي و مظهري ( المكركب ) من الدخول ، بل شعرت أن كرامتي ضاعت و
أنا أجمع بقاياها على مدخل ( المركز ) لتتعالى الضحكات من حولي ، و أعود من حيث
أتيت .
هذا الموقف و غيره ترك بصمته على شخصيتي ، فمن بعده قطعت عهداً على نفسي باعتزال
الأحداث (الاجتماعية) و الفعاليات الجذبية ، و التي يظهر دائماً تخصيصها للعائلات ،
واكتفيتُ فقط باستكشاف ( الانترنت ) أو الذهاب ( للمقاهي ) كحال معظم الشباب .
من هنا جاءت عادتي التي تكلمت لكم عنها في البداية ، و لم تكن بإرادتي بعد أن رضخت
لها و استسلمت ، فأصبح لها تبعات ظاهرة على زوجتي و أفراد عائلتي ( في المستقبل ) ،
و أتوقع لو استمر الحال على ما هو عليه ، سيصبح في المجتمع ( مثلي ) الكثير من
المتقوقعين في بيوتهم ، ممن يصيبون التجارة بالكساد و السياحة بالفشل و الاقتصاد
بالهبوط .
و أخيراً ، سأختم ببعض التساؤلات التي كانت حصيلة كتابات عزّابية ( سابقة ) ، لماذا
يشعر الأعزب بأنه منبوذ ؟ ثم لماذا يبدأ المجتمع بالظن السيئ قبل الحسن في تفسير
تصرفات الشباب ؟ ألم يكن أولئك ( المانعون ) عـُزّاباً في السابق؟ ثم ألا تعتقدون
أن المعادلة غير موزونة ؟ فلا أماكن مخصصة للشباب و لا فعاليات تذكر تقام لأجلهم ؟
ثم ألم يُفضِِ ذلك لوجودِ أعدادٍ غفيرة من مدخني الشيشة و المفحطين و خفافيش الليل
في شوارعنا من أبناءنا ؟؟
فقط أريدكم أن تقارنوا تلك النواتج مع نواة المشكلة التي تكمن في الخوف من
المعاكسات ، أليست القرارات المانعة هوجاء ؟ فقط أجيبوا لأنفسكم .
جمال بن ناصر العضياني
|